فخر الدين الرازي
232
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوهاً أحدها : روي عن ابن عباس أن رجلاً وامرأة من اليهود زنيا ، وكانا ذوي شرف ، وكان في كتابهم الرجم ، فكرهوا رجمهما لشرفهما ، فرجعوا في أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجم فأنكروا ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم ؟ قالوا : عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة ، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها ، فقال ابن سلام : قد جاوز موضعها يا رسول الله فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهما فرجما ، فغضبت اليهود لعنهم الله لذلك غضباً شديداً ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . والرواية الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم دخل مدرسة اليهود ، وكان فيها جماعة منهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا : على أي دين أنت ؟ فقال : على ملة إبراهيم ، فقالوا : إن إبراهيم كان يهودياً فقال صلى الله عليه وسلم : هلموا إلى التوراة ، فأبوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية . والرواية الثالثة : أن علامات بعثة محمد صلى الله عليه وسلم مذكورة في التوراة ، والدلائل الدالة على صحة نبوّته موجودة فيها ، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة ، وإلى تلك الآيات الدالة على نبوّته فأبوا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى أنهم إذا أبوا أن يجيبوا إلى التحاكم إلى كتابهم ، فلا تعجب من مخالفتهم كتابك فلذلك قال الله تعالى : * ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) * ( آل عمران : 93 ) وهذه الآية على هذه الرواية دلّت على أنه وجد في التوراة دلائل صحة نبوّته ، إذ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوّته لسارعوا إلى بيان ما فيها ولكنهم أسروا ذلك . والرواية الرابعة : أن هذا الحكم عام في اليهود والنصارى ، وذلك لأن دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في التوراة والإنجيل ، وكانوا يدعون إلى حكم التوراة والإنجيل وكانوا يأبون . أما قوله * ( نصيباً من الكتاب ) * فالمراد منه نصيباً من علم الكتاب ، لأنا لو أجريناه على ظاهره فهم أنهم قد أوتوا كل الكتاب والمراد بذلك العلماء منهم وهم الذين يدعون إلى الكتاب ، لأن من لا علم له بذلك لا يدعي إليه . أما قوله تعالى : * ( يدعون إلى كتاب الله ) * ففيه قولان : القول الأول : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما والحسن أنه القرآن .